حياة من الحرب ( إيماننا أنقذنا )

بقائنا في حلب كان سببه إيماننا بالله .فمنذ البداية تشاورنا أنا و زوجي حول ما علينا فعله إن قامت الحرب و استمرت ؟ و توصلنا إلى أننا سنبقى و نصمد . و أنه كما نجى بعض سكان هيروشيما ، كذلك نحن إن كتب لنا البقاء فسنبقى . و بدأت أوزار الحرب تشتد ، فبدؤوا بخطف الناس و طلب الفدية و بدأ الناس يهربون خوفاً من الخطف ، و توقف عمل زوجي في الهندسة منذ ذلك الحين و حتى الساعة . ثم بدأت الأنفاس تنقطع رويداً رويداً حيث قطعوا عنا الكهرباء لأشهر طويلة و وجدنا البديل . ثم قطعوا الغاز و البنزين فتوقفت السيارات في المدينة , و بعدها قطعوا المياه و هنا كانت الكارثة و بدأنا بنقل الماء من الآبار عضلياً ، فكنا صغاراً و كباراً و عجائز نحمل الماء يومياً من الصباح الباكر . فأصبنا بأمراض العظام و المفاصل نتيجة حمل المياه . ووجدوا أننا لا زلنا أحياء فقاموا ببث الرعب فينا حيث كانوا يقطعون الأسرى اللذين عندهم و يرمونهم على المناطق التي نسكنها بالمنجنيق . و بعد هذا كله حاصروا مدينة حلب بالكامل و قطعوا عنها الطعام ، لم تعد أي شاحنة تستطيع الدخول إلى حلب . فلم يعد لدينا طعام ، نذهب لشراء الخبز و نقف الساعات الطويلة نتدافع و نتشاجر لنحصل على الخبز كذلك الأمر بالنسبة للخضار و اللحوم لم يعد لدينا أي مصدر للطعام سوى المعونات التي تقدمها بعض المنظمات الإغاثية ، كالرز و البرغل و الحمص . و كل هذه الأمور و تعبها لا تمثل شيئاً أمام الرعب اليومي و المتواصل ليلاً و نهاراً من تساقط القذائف و الصواريخ و جرات الغاز التي ليس لها موعد محدد و لا مكان محدد ، عدا عن ذلك تضيق الشوارع بالحواجز و القناصة ، فقد كان بناء بيتنا مستهدفاً بالقناصة من ثلاث جهات ، كنا نخرج و ندخل للبيت خلسة و معتمدين على حماية الله فقط ، كنا كل يوم ننام و نستيقظ على أصوات الإشتباكات و التي كنا نشاهدها من شرفة منزلنا خلسة لأننا لم نكن نجسر على الخروج إليها لإنها تطل على أرض واسعة و كنا نشاهد ما يجري أمامنا من أحداث بالقرب من خطوط التماس . دخل الرصاص و الشظايا بيتنا في عدة أماكن تحطمت النوافذ و الأبواب الزجاجية و أصاب الرصاص البراد و الغسالة و الجدران و في كل مرة كنا نصلح الأضرار و نضع سواتر خشبية تارة و حجرية تارة أخرى . كان علينا أن نستيقظ كل يوم في الظلام نرتدي ملابسنا و نخرج نلاحق أعمالنا التي تغيرت . حيث أصبح معلمي الصنعات يجلسون على بسطات لبيع الدخان أو الخضار أو السندويش . أكثر ما يؤلمنا هو الصمت المسيطر و المستمر على الشوارع و البيوت ، لم نعد نرى إناس تمشي في الطريق ، لكننا كنا نملأ هذا الصمت بالموسيقا ، فإبني الكبير يعزف على الكيتار و الصغير على العود ، و كانا بين الحين و الآخر يخرقون جدار الصمت بألحانهم الجميلة ، و كنا ندعوا الجيران ازيارتنا أو لزيارتهم ضمن بنايتنا لقضاء الوقت ، نتسلى معاً و نحزن معاً و نخاف معاً و نصلي معاً و نستدفء معاً توفيراً للمازوت ، كنا نتشارك بجميع الأحاسيس مع الجيران . كنت أغسل الثياب يدوياً و كان الماء بارداً جداً تتجمد له المفاصل . و تعرضنا لأوبئة عامة مثل أنفلونزا الخنازير . كل ذلك تحملناه و لكن سماعنا لأصوات الناس التي تصرخ و تطلب النجدة أثناء تساقط القذائف كان مخيفاً جداً و محزناً جداً . و لكن نادي شباب الأرمن بحلب كان يساعد فما أن تتوقف القذائف حتى يسارعون لحماية المباني من السرقة و إنقاذ حياة الناس من تحت الأنقاض . كما أن المدافن كانت تحت مرمى القناصين و القذائف ، فلم يستطيع أحد أن يدفن موتاه في المقابر بل كان يدفنون في حدائق المدينة . و بالرغم من ذلك كله كنا كعائلات مريم لا نزال نجتمع في مقر الكنيسة و نبتعد عن الإجتماع في البيوت الموجودة في أماكن خطيرة . صحيح أننا قررنا الصمود و البقاء ، لكن كل من كان حولنا ضعف و هرب و بالنهاية شعرنا بأننا وحيدين في هذه المدينة المنكوبة ، أصبحنا مجموعة من قلوب منكسرة و وجوه شاحبة تسير في الشوارع هائمة لا تهتم لا بالقذائف و لا بالموت و لا بأي شيء . لقد هجرنا الخوف و رحل أيضاً ، لكننا عرفنا الحزن بأبشع أشكاله نحزن على أنفسنا و على أولادنا و على جيراننا و على أهلنا و على كل شخص يعيش معنا في بلدنا ، و على كل شخص هاجر أيضاً و كثير منهم ترك أهله كبار السن كنا نحن و غيرنا نرعاهم و نوفر أحتياجاتهم الإنسانية . أصبح الحزن شعارنا و ماتت البسمة على شفاهنا الشاحبة . و عندما نريد الخروج من الحزن نحاول أن نغني أغنية سعيدة و فرحة و نحاول أن نرقص ، لكننا نسينا كلمات الأغاني التي كنا نسمعها . فلا إذاعات الراديو تعمل و لا التلفاز و لا الانترنيت ، و لكنني و عائلتي أصبحنا نؤمن و أشدد على كلمة نؤمن أكثرمن أن نصلي لأننا لم نعد نصلي كثيراً بل أصبحنا نؤمن بأن الله لن يتركنا ، و هذا ما جعلنا لا نغادر بيتنا على الرغم من وجوده في منطقة ساخنة و على حدود التماس مع الجماعات الإرهابية . شعرنا تماماً بما قاله السيد المسيح لتلاميذه << لا تخافوا >> . عشنا تلك اللحظات الخطيرة و غيرها لا متسع لذكرها الآن لكن إيماننا أنقذنا . تلك كانت معاناتنا و كلماتي هذه لا تعبر إلا عن جزء بسيط من المشاعر التي شعرنا بها و المشاعر تفقد قوتها عندما تتحول إلى كلمات ، لأنني لا أجد الكلمات التي تستطيع أن تصف تلك المشاعر التي أختبرناها . إيماننا بالله و ثقتنا به كانا السند الوحيد الذي كنا نستند عليه و نشكر الله لأننا لم نفقد هذا الإيمان بل تعلقنا به أكثر . فالله نوري و خلاصي فممن أخاف . من مذكرات ماري هزاري في الحرب خاجيك و ماري زاديكيان الأخوية التاسعة حلب